فصل: تفسير الآيات (61- 70):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآية رقم (58):

{قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)}
{قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى} أي في قدرتي ومكنتي. {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} من العذاب. {لَقُضِىَ الأمر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي، وانقطع ما بيني وبينكم. {والله أَعْلَمُ بالظالمين} في معنى الاستدراك كأنه قال: ولكن الأمر إلى الله سبحانه وتعالى وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ وبمن ينبغي أن يمهل منهم.

.تفسير الآية رقم (59):

{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}
{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب} خزائنه جمع مفتح بفتح الميم، وهو المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتح الذي هو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح، ويؤيده أنه قرئ: {مفاتيح} والمعنى أنه المتوصل إلى المغيبات المحيط علمه بها. {لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته، وفيه دليل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها. {وَيَعْلَمُ مَا في البر والبحر} عطف للأخبار عن تعلق علمه تعالى بالمشاهدات على الإِخبار عن اختصاص العلم بالمغيبات به. {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا} مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات. {وَلاَ حَبَّةٍ في ظلمات الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} معطوفات على ورقة وقوله: {إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ} بدل من الاستثناء الأول بدل الكل على أن الكتاب المبين علم الله سبحانه وتعالى، أو بدل الاشتمال إن أريد به اللوح وقرئت بالرفع للعطف على محل ورقة أو رفعاً على الابتداء والخبر {إِلاَّ في كتاب مُّبِينٍ}.

.تفسير الآية رقم (60):

{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)}
{وَهُوَ الذي يتوفاكم باليل} ينيمكم فيه ويراقبكم، استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهم من المشاركة في زوال الإِحساس والتمييز فإن أصله قبض الشيء بتمامه. {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار} كسبتم فيه خص الليل بالنوم والنهار بالكسب جرياً على المعتاد. {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ} يوقظكم أطلق البعث ترشيحاً للتوفي {فِيهِ} في النهار. {ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى} ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} بالموت. {ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بالمجازاة عليه. وقيل الآية خطاب للكفرة والمعنى أنكم ملقون كالجيف بالليل وكاسبون للآثام بالنهار، وأنه سبحانه وتعالى مطلع على أعمالكم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار، ليقضي الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، ثم إليه مرجعكم بالحساب، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء.

.تفسير الآيات (61- 70):

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)}
{وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} ملائكة تحفظ أعملكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان أزجر عن المعاصي، وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه. {حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} ملك الموت وأعوانه. وقرأ حمزة {توفاه} بالألف ممالة. {وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ} بالتواني والتأخير. وقرئ بالتخفيف، والمعنى: لا يجاوزون ما حد لهم بزيادة أو نقصان.
{ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله} إلى حكمه وجزائه. {مولاهم} الذي يتولى أمرهم. {الحق} العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وقرئ بالنصب على المدح. {أَلاَ لَهُ الحكم} يومئذ لا حكم لغيره فيه. {وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين} يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة لا يشغله حساب عن حساب.
{قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر} من شدائدهما، استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتهما في الهول وإبطال الإِبصار فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب، أو من الخسف في البر والغرق في البحر. وقرأ يعقوب {يُنَجّيكُمْ} بالتخفيف والمعنى واحد. {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} معلنين ومسرين، أو إعلاناً وإسراراً وقرأ أبو بكر هنا وفي (الأعراف) {وَخُفْيَةً} بالكسر وقرئ: {خِيفَةً}. {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} على إرادة القول أي تقولون لئن أنجيتنا. وقرأ الكوفيون {لئن أنجانا} ليوافق قوله: {تَدْعُونَهُ} وهذه إشارة إلى الظلمة.
{قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا} شدده الكوفيون وهشام وخففه الباقون. {وَمِن كُلّ كَرْبٍ} غم سواها. {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} تعودون إلى الشرك ولا توفون بالعهد، وإنما وضع تشركون موضع لا تشكرون تنبيهاً على أن من أشرك بعبادة الله سبحانه وتعالى فكأنه لم يعبده رأساً.
{قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ} كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل. {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} كما أغرق فرعون، وخسف بقارون. وقيل من فوقكم أكابركم وحكامكم ومن تحت أرجلكم سفلتكم وعبيدكم. {أَوْ يَلْبِسَكُمْ} يخلطكم. {شِيَعاً} فرقا متحزبين على أهواء شتى، فينشب القتال بينكم قال:
وَكَتِيبَهٌ لَبسْتُهَا بِكَتِيبَة ** حَتَّى إِذَا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدَي

{وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} يقاتل بعضكم بعضاً. {انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الآيات} بالوعد والوعيد. {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}.
{وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} أي بالعذاب أو بالقرآن. {وَهُوَ الحق} الواقع لا محالة أو الصدق. {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} بحفيظ وكل إلي أمركم فأمنعكم من التكذيب، أو أجازيكم إنما أنا منذر والله الحفيظ.
{لّكُلّ نَبَإٍ} خبر يريد به إما بالعذاب أو الإِيعاد به. {مُّسْتَقِرٌّ} وقت استقرار ووقوع. {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عند وقوعه في الدنيا والآخرة.
{وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في ءاياتنا} بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها.
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} فلا تجالسهم وقم عنهم. {حتى يَخُوضُواْ في حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أعاد الضمير على معنى الآيات لأنها القرآن. {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان} بأن يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي. وقرأ ابن عامر {يُنسِيَنَّكَ} بالتشديد. {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى} بعد أن تذكره. {مَعَ القوم الظالمين} أي معهم، فوضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام.
{وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ} وما يلزم المتقين من قبائح أعمالهم وأقوالهم الذين يجالسونهم. {مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء} شيء مما يحاسبون عليه. {ولكن ذكرى} ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وهو يحتمل النصب على المصدر والرفع ولكن عليهم ذكرى، ولا يجوز عطفه على محل من شيء لأن من حسابهم يأباه ولا على شيء لذلك ولأن من لا تزاد في الإِثبات. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يجتنبون ذلك حياء أو كراهة لمساءتهم، ويحتمل أن يكون الضمير للذين يتقون والمعنى: لعلهم يثبتون على تقواهم ولا تنثلم بمجالستهم. روي: أن المسلمين قالوا لئن كنا نقوم كلما استهزءوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، ونطوف، فنزلت.
{وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} أي بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلاً وآجلاً، كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه لعباً ولهواً حيث سخروا به، أو جعلوا عيدهم الذي جعل ميقات عبادتهم زمان لهو ولعب. والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم، ويجوز أن يكون تهديداً لهم كقوله تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا} حتى أنكروا البعث. {وَذَكّرْ بِهِ} أي بالقرآن. {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} مخافة أن تسلم إلى الهلاك وترهن بسوء عملها. وأصل الأبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي حرام. {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} يدفع عنها العذاب. {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} وإن تفد كل فداء والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي وها هنا الفداء وكل نصب على المصدرية. {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} الفعل مسند إلى منها لا إلى ضميره بخلاف قوله: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} فإنه المفدى به. {أُوْلَئِكَ الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} أي سلموا إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة. {لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} تأكيد وتفصيل لذلك، والمعنى هم بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم.

.تفسير الآية رقم (71):

{قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)}
{قُلْ أَنَدْعُواْ} أنعبد. {مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} ما لا يقدر على نفعنا وضرنا. {وَنُرَدُّ على أعقابنا} ونرجع إلى الشرك. {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله} فأنقذنا منه ورزقنا الإِسلام. {كالذى استهوته الشياطين} كالذي ذهبت به مردة الجن في المهامة، استفعال من هوى يهوي هويًا إذا ذهب. وقرأ حمزة {استهواه} بألف ممالة ومحل الكاف النصب على الحال من فاعل {نُرَدُّ} أي: مشبهين الذي استهوته، أو على المصدر أي رداً مثل رد الذي استهوته. {فِى الأرض حَيْرَانَ} متحيراً ضالاً عن الطريق. {لَهُ أصحاب} لهذا المستهوى رفقة. {يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى} إلى أن يهدوه الطريق المستقيم، أو إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر. {ائتنا} يقولون له ائتنا. {قُلْ إِنَّ هُدَى الله} الذي هو الإِسلام. {هُوَ الهدى} وحده وما عداه ضلال. {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين} من جملة المقول عطف على أن هدى الله، واللام لتعليل الأمر أي أمرنا بذلك لنسلم. وقيل هي بمعنى الباء وقيل هي زائدة.

.تفسير الآية رقم (72):

{وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)}
{وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه} عطف على لنسلم أي للإسلام ولإقامة الصلاة، أو على موقعه كأنه قيل: وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا الصلاة. روي: أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان، فنزلت. وعلى هذا كان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القول إجابة عن الصديق رضي الله تعالى عنه تعظيماً لشأنه وإظهاراً للاتحاد الذي كان بينهما. {وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يوم القيامة.

.تفسير الآية رقم (73):

{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)}
{وَهُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بالحق} قائماً بالحق والحكمة. {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق} جملة اسمية قدم فيها الخبر أي قوله الحق يوم يقول، كقولك: القتال يوم الجمعة، والمعنى أنه الخالق للسموات والأرضين، وقوله الحق نافذ في الكائنات. وقيل يوم منصوب بالعطف على السموات أو الهاء في واتقوه، أو بمحذوف دل عليه بالحق. وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون، والمراد به حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين تقوم القيامة فيكون التكوين حشر الأموات وإحياءها. {وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ في الصور} كقوله سبحانه وتعالى: {لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} {عالم الغيب والشهادة} أي هو عالم الغيب. {وَهُوَ الحكيم الخبير} كالفذلكة للآية.

.تفسير الآية رقم (74):

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)}
{وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءازَرَ} هو عطف بيان لأبيه، وفي كتب التواريخ أن اسمه تارح فقيل هما علمان له كإسرائيل ويعقوب، وقيل العلم تارح وآزر وصف معناه الشيخ أو المعوج، ولعل منع صرفه لأنه أعجمي حمل على موازنه أو نعت مشتق من الآزر أو الوزر، والأقرب أنه علم أعجمي على فاعل كعابر وشالخ، وقيل اسم صنم يعبده فلقب به للزوم عبادته، أو أطلق عليه بحذف المضاف. وقيل المراد به الصنم ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده أي أتعبد آزر ثم قال: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} تفسيراً وتقريراً. ويدل عليه أنه قرئ: {أزراً}، تتخذ أصناماً بفتح همزة آزر وكسرها وهو اسم صنم. وقرأ يعقوب بالضم على النداء وهو يدل على أنه علم. {إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ في ضلال} عن الحق. {مُّبِينٌ} ظاهر الضلالة.